بلاسم محمد يعاين "العبق المھجور" برائحة اللون وذاكرة الخط
غسان مفاضلة
جريدة الغد 2/3/2010
عمّان- مع مفردتي الخط واللون، يواصل التشكیلي العراقي بلاسم محمد، رحلة الكشف
والتقصّي باتجاه رائحة التفاصیل السريّة، التي أودعھا في أعمال معرضه الجديد "العبق
المھجور"، معايناً ملامحھا القصیّة التي ھجرت المكان والإنسان، وأقامت على حوافّ الذاكرة
والنسیان.
ومن الملامح ذاتھا، المتفلتة من التأطیر والتعیین، يذھب بلاسم، المولود في الكوفة العام
1955 ، والحاصل على دكتوراة فلسفة الفن في العام 2000 ، مع أعمال معرضه المتواصل في
مركز رؤى 32 ، باتجاه فلترة الروائح المتسربة من مكامنھا، واستدراجھا بعفوية وحمیمیة إلى
ذاكرة اللون ومسار الخط، داخل الإطار التشكیلي وخارجه على حد سواء.
ورغم التضلیل الذي قد ينطوي علیه عنوان معرض محمد، المتمرّس في فن الجرافیك، والخط
العربي والذي أقام العديد من المعارض بین الأعوام 1973 و 2009 ، باعتبار "أن الرائحة لا تُرسَم،
وأن الھجرة مفھوم حركة في المكان"، بحسب ما يرى، إلا أنه يذھب في جلّ أعمال معرضه،
إلى تتبع مسارات الحركة، وصولاً إلى اشتقاق رائحة جديدة، نستعید معھا "المأوى العمیق في
لا وعینا من خلال الرسم"، كما يقول.
ولا يخفي عنوان معرضه "العبق المھجور"، الذي يتواصل حتى السابع من الشھر الحالي،
الدلالة المزدوجة، التي تنطوي علیھا رؤيته الفنیة في رواحھا ومجیئھا بین قطبي الواقع
والخیال. تماماً كما كان علیه عنوان معرضه السابق "الھجرة إلى الواقع"، الذي قادنا معه إلى
تتبع منطلقات ھجرته ومساراتھا إلى الواقع، من خلال مسارات الخطوط وانقطاعاتھا بین الإقامة والھجرة، وبین الواقع والخیال، وجمیعھا إغراءات تغذي
من خلال الفن، الوقوف على خاصرة الذاكرة والنسیان.
تتحرك الخطوط في أعمال بلاسم، عضو نقابة الفنانین العراقیین، وعضو اتحاد الصحافیین العرب، مع مفرداته ومساحاته اللونیة بین الحضور والغیاب؛ فمع
حضورالخطوط، تتحدد ملامح مفرداته الرئیسیة، وتُمحى في غیابھا. وتتحدد في ھیئات الناس وفي تفاصیل المكان، وفي كل ما ھو قابل للظھور.
فیما يضع غیاب الخطوط وانحائھا، مفرداته في موضع التماھي واللاتحديد، والذي تنتقل معه، في حال الحدود القصوى للغیاب، إلى التلاشي والإقصاء،
وكأنھا لم تكن موجودة من قبل سوى في عوالم الحلم والخیال، التي نتذوّق "عبقھا المھجور"، ونھاجر معھا إلى حمیمیّة الواقع، بما يحتضن من
أشكال ومضامین تمور بنبض الحیاة، وتعلي من شأن الخیال.
وتعزّز حركة الخطوط، بعفوية امتداداتھا وتعرجاتھا وتقاطعاتھا، حضور اللون وفاعلیته، بوصفه حضورا تعبیريا يساھم في تعیین ملامح المفردات
والتشخیصات على سطح اللوحة، التي تنحاز لدى الفنان إلى قیم التعبیر الجمالي.
ويرى الناقد عبدالكريم السعدون، أن المتأمل لأعمال بلاسم، يجدھا تفیض باستذكار شفاف لأماكن يستعید الفنان تشكیلھا، ويترك للخط حرية
تحديدھا، "أماكن تعیش في حلم يتنامى باستمرار ويحرص على نسخه كل يوم، ويعید تركیبه، لیعطیه بناءً متجدداً، في محاولة دؤوب للقبض علیه
بشكل دائم، حتى في حالات يقظته، ويشكل منھا مادته للسرد، ويتبادل معھا الأدوار".
وتأتي خصوصیة التعبیر في أعمال بلاسم، الذي أقام نحو 20 معرضاً فردياً، من نمو مفرداته بتناسق تام مع مضامینھا، ما يدعو متلقي أعماله، إلى
الانجذاب نحوھا وتذوقھا، بعد الحوار التعبیري المفتوح بین المستويات اللونیة، وبین حركة الخطوط، التي تختزل كل ما ھو مرئي ومتعیّن على الدوام.
افتتح يوم الأربعاء الماضي 20 كانون أول، ال
The mind's recollections
By Rand Dalgamouni
AMMAN - The mind's recollections